وهبة الزحيلي
14
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الدين والدنيا ، أما الأولى فهو أنه مهبط الأنبياء ، وأما الثانية فهو إحاطته بخيرات الدنيا ، لما اشتمل عليه من أنهار وأشجار وأثمار تكون سببا في توفير المعايش والأقوات . والهدف من الإسراء : أن يري اللّه عبده آياته الكبرى ، وأدلته العظمى على وجوده ووحدانيته وعظم قدرته ، فكانت فائدة الإسراء مختصة باللّه تعالى وعائدة إليه على سبيل التعيين . ولا عجب في ذلك كله ، فاللّه سبحانه هو السميع لكل قول ، البصير بكل نفس ، الذي يضع الأمور في مواضعها على وفق الحكمة ، وبمقتضى الحق والعدل . ومن ذلك : سماعه أقوال المشركين وتعليقاتهم على حادث الإسراء واستهجانهم لوقوعه ، واستهزاؤهم بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في إسرائه من مكة إلى القدس . وبصره بما يفعل أولئك المشركون ، وبما يكيدون لنبي اللّه ورسالته « 1 » . وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ . . بعد أن ذكر اللّه إكرام محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم من نسل إسماعيل بالإسراء وإمامة الأنبياء في المسجد الأقصى ، ذكر في هذه الآية إكرام موسى عليه السلام قبل محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالكتاب الذي آتاه وأعطاه إياه ، وهو التوراة ، الذي جعله اللّه هدى وهداية ، ليخرج بني إسرائيل بواسطة ذلك الكتاب من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين الحق ، وقلنا : لا تتخذوا من دوني وكيلا ، أي لا تتخذوا من دون اللّه وكيلا تفوضون إليه أموركم ، فقوله : وَكِيلًا معناه : ربا تكلون إليه أموركم .
--> ( 1 ) يلاحظ أن الآية انتقل فيها من الغيبية إلى الخطاب ، ومن الخطاب إلى الغيبية ، فقوله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ في ذكر اللّه على سبيل الغيبة ، وقوله : بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا انتقال إلى الحضور ، وقوله : إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ يدل على الغيبة . ثم انتقل إلى الحضور بقوله : وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يدل على الحضور أي الخطاب . وهذا يسمى الالتفات .